ابن عرفة
320
تفسير ابن عرفة
الإيمان محله العقل ، فنقول : الإيمان الأول قد تلا العقل وعيه ، وعبر جميعه فلا يجد الإيمان الثاني في العقل محلا يكون فيه إلا لو كان الإيمان الأول قام نصفه [ 82 / 408 ] العقل فيقوم الثاني بنصفه الآخر الذي هو فارغ منه ، ومثاله الشيء الأحمر لا يقبل أن يقوم به حمرة أخرى إلا إذا أتى فيه جزء لم تقيم به الحمرة ، فإن قلت : إنه يريد باعتبار المتعلقات فمن ظهرت له ازداد تسبيحا وترنما تنزيها وتعظيما لله عز وجل كهذه الآية ؛ لأن من آمن من أهل الكتاب وجدوا هذه الآية موافقة لما في كتبهم فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم ، قلت : الذي يطلب من المؤمن حين الإيمان وممن يعلمه زيادة ، وإنما الجواب أن يقال : إن تلك الزيادة تكميل مجازي راجع إلى قوة الإيمان وضعفه باعتبار الظهور والجلاء . قوله تعالى : وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ . فيها من أنواع البديع أبلغ من التفريق ؛ لأنه ذكر أولا كل صنف [ . . . ] الخاصة به ، قلت : فنسب لأهل الكتاب الاستيقان وللمؤمنين ازدياد الإيمان ، وجمع الفريقين هنا في عدم الارتياب ، وأورد الزمخشري هنا سؤالا ، قال : ما الفائدة في نفي الريبة عنهما مع أن اليقين وازدياد الإيمان يستلزم ذلك ؟ وأجاب ما حاصله أنه مبالغة للتأكيد ، ويجاب أيضا بأن اليقين وزيادة الإيمان مثبت للفريقين ، والفعل من سياق الثبوت مطلق فلا يقتضي الدوام بوجه ، والارتياب منفي والفعل في سياق النفي عام ، فأفاد الأول حصول زيادة الإيمان للمؤمنين ، وأفاد الثاني دوام ذلك لهم إذ لعلة تحصل في زمن ثم يفرض فيه الشك في الزمن الثاني ، وقول القرطبي المراد بذلك . ومن تأتي في المستقبل وكل كتاب يرد بأن مالكا قال : إذا قال : كل مملوك لي حسن حدث ، إنه إنما يتناول ما في ملكه حينئذ لا ما حدث له بعد ذلك ، والمؤمنون يحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص فيكون المراد بأهل الكتاب المؤمنين ، وبالمؤمنين من آمن من أهل الكتاب ومن غيرهم ، وأورد الزمخشري هنا سؤالا وأجاب عنه ، ونقل الطيبي عن صاحب الانتصاف : أن السؤال المذكور دائما يرد على قواعد المعتزلة ، وبدأ بالمنافقين ؛ لأن منه [ . . . . . ] هذه المقالة منهم أغرب . قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ . تقديم المفعول واجب إن كان الفاعل مقرونا بإلا اتفاقا ، وتقديم الفاعل واجب إن كان المفعول مقرونا بإلا على اختلاف ، وسبب ذلك أنك في الأول استثنيت من كلام ناقص وهنا استثنيت من كلام تام ، ومثله : ما ضرب إلا عمرو زيدا فاستثنيت من كلام